لأبينا الجليل في القديسين أثناسيوس: في الجسد والنفس [نص منحول]
١. في تركيب الأجساد من العناصر الأربعة وبقاء الجواهر البسيطة
إنّ الجسد، لكونه حائزاً على التركيب من العناصر (الأربعة)، يقبل الانحلال أيضاً ويتلاشى. ولهذا السبب فإن أجساد البشر والحيوانات على حدٍّ سواء هي سريعة الفساد وسريعة الموت بطبعها، إذ تتألف من أربعة عناصر، أعني: الأرض، والشمس (أي النار)، والماء، والهواء؛ وهذه الأجساد ذاتها لا تبقى غير شائخة ولا غير ذابلة، بل تموت كما هو شأن الأجساد، لأن جميع الأجساد قد جُبلت من الأرض. أمّا الأشياء البسيطة وغير المركّبة فتظل ثابتة الدوام، وتبقى غير قابلة للانحلال إلى منتهى الدهر؛ كالشمس، ونفس الإنسان، والنور، والنيّرات السماوية، والهواء، والمياه، والنار، والروح (أو الريح)، وسائر الأشياء البسيطة القائمة بذاتها.
٢. في أهواء النفس الخمسة وحرارتها الطبيعية
وأمّا عن النفس فنقول هكذا: إن فيها خمسة أهواء (انفعالات) تُدعى «الأهواء النفسانية»، وهي هذه: الغضب، والحزن، والخوف، والهمّ (القلق)، والحسد. غير أن مَن يمتلك فكراً عاقلاً حصيفاً يستطيع أن يضبطها جميعاً.
ولكي تقتنع بأن النفس حارّةٌ بالطبيعة، فاعتبرْ ذلك من الأموات: ففي الساعة التي تنفصل فيها النفس عن الجسد، توجد جميع الأعضاء متجمّدةً كالجليد، ولا تقلّ برودةً عن صقيع الشتاء. فما دامت النفس تملك الغذاء بوفرة، يزدهر الجسد وينمو؛ ولكن متى أعوزها الطعام، فإن الجسد عينه يقوم مقام الغذاء في تحمّل حرارة النفس. وكما أن الإناء النحاسي — أي القِدْر الموضوعة على الأتون — لا يقوى بدون ماء على احتمال شدة النار، بل يحترق تماماً وينحلّ، هكذا أيضاً «قِدْرُ الجسد»، إذ يخلو من الغذاء، تذروه النفسُ النارية وتُفنيه، فيخور ويضمحلّ بالكلية.
٣. في مسكن النفس من الجسد ومراكزها الثلاثة
وإذا أردتَ أن تختبر أحداً لتعلم منه كيف تستقرّ النفس في الجسد، فاسأله قائلاً: «قُلْ لي، أفي الجسد كلّه تسكن نفسُ الإنسان أم في موضعٍ واحد؟». فإن قال لك: «في الجسد كلّه»، فقُلْ له: «وكيف يقطعون يدَ الإنسان أو رِجلَه ولا تُقطَع النفس، بل يعيش الإنسان من بعدُ ولا يموت؟». وإن قال لك: «في موضعٍ واحد»، فقُلْ له: «وكيف تكون سائر أعضاء الإنسان بغير نفس؟ فإن كل ما لا نفس فيه هو ميت، ولستُ أدري ما تقول!».
أمّا أنا فأقول لك في أيّ موضع، وبأيّ كيفية، وأين تستقرّ النفس: إنها متمركزِةٌ في ثلاثة مواضع ضرورية من الجسد. وكما أن شعاع الشمس ينفذ دائماً من موضعٍ واحد ويدخل البيتَ، غير أنه يُضيء البيتَ كلَّه، هكذا أيضاً النفسُ، إذ تسكن في ثلاثة مواضع من الجسد، تُضيء بيتَ الجسد بأسره.
وهي تسكن في القلب، وفي الجزء الخلفي من الرأس الذي يُسمّونه «النُّقرة»، وفي العروق الملوكية (الأوردة والشرايين الرئيسة). في هذه الأجزاء الثلاثة تسكن النفس. ولهذا السبب، في الساعة التي يُضرَب فيها الرأس، أو القلب، أو ينزف العِرقُ الملوكي دماً غزيراً، تنفصل النفس في الحال عن الجسد، ويوجد الجسد ميتاً. وإذ تسكن النفس في هذه الأجزاء الثلاثة، فإنها تمنح الجسدَ كلَّه إشراقاتِ قوّتها الخاصة.
